الجمعة، 2 سبتمبر، 2016

راهب معاصر متوحّد مارس الحياة الملائكية العجيبة!

أبونا عبد المسيح الأثيوبي الأب
راهب معاصر متوحّد، عاش في مغارة بالقرب من دير البراموس أكثر من أربعين سنة. مارس الحياة الإنجيلية بروح التواضع مع الصراحة والقوة في الحق. صادق الوحوش وتحدّى الطبيعة، ورفع قلوب الكثيرين إلى السماء، مارس الحياة الملائكية العجيبة!
الفترة القصيرة التي عاشها في القاهرة ثم في الإسكندرية قبل سفره إلى لبنان ومنها إلى أورشليم تحمل ذكريات في قلوب الكثيرين، وكلماته لازالت ترن في أعماقهم!
رهبنته:
إذ أُختير لنوال مركزٍ مرموق انطلق إلى أحد الأديرة بجبال أثيوبيا، وصار راهبًا باسم "الراهب عبد المسيح" (بالأمهرية جابرا 
إلى دير البراموس:
بعد حوالي عشرة سنوات قضاها في الدير، اشتاق أن يكمل حياته الرهبانية في صحراء مصر مقتديًا بآباء البرية المصريين الأوائل.
أراد أن يكون كسيده، فأصرّ أن يعبر من أثيوبيا إلى السودان، ثم إلى النوبة ومنها إلى صعيد مصر مشيًا علي الأقدام. وقد قطع هذه المسافة في تسعة أشهر وعشرة أيام. لا نعرف عن هذه الرحلة شيئًا إلا أنها بلا شك كانت رحلة رجلٍ عابدٍ للرب، يتغنى في طريقه بروح التوبة الممتزجة بالفرح، كمن هو منطلق إلى الفردوس.
حياة الوحدة:
لم يطق أبونا عبد المسيح أسوار الدير، فخرج إلى الصحراء وأقام متوحدًا في مغارة. كثيرًا ما كان يجول الصحراء مصلّيًا ومسبّحًا الله، ولا يلتزم بالعودة إلى المغارة ليبيت. .
نور في المغارة:
أثناء الحرب العالمية لاحظ الجند الإنجليز أن نورًا مشرقًا نحوهم فانطلقوا إلى حيث النور، إذ ظنّوا كمينًا قد أُقيم ضدهم. كانت المفاجأة أنهم وجدوا هذا الراهب. فتّشوا قلايته فلم يجدوا أثرًا لأي كبريت أو نور. كرّروا الأمر عدة مرات، فكانوا كلما ابتعدوا حوالي كيلومترًا واحدًا يروا النور مشرقًا بقوة، وإذ يعودوا لا يجدوا شيئًا.
أحبّوه وكانوا يطلبون صلواته، وعندما تركوا الموضع قدّموا له معلبات كثيرة جدًا قام بتوزيعها علي سكان البرية من العرب.
اتركو يصلي من أجلنا!
في سنة 1967 م. توجّه إلى قداسة البابا كيرلس، وطلب منه أن يمنع الزيارات عنه حتى لا تشغله عن وحدته وحياة التأمل. قال للبابا: "الزوار جايين يتفرجوا علي حمار". تطلّع البابا إلى الأنبا ثاوفيلس أسقف دير السريان وقال له: "اتركوه يصلّي من أجلنا، لعل الله يرفع غضبه عن العالم كلّه بصلواته".
العمل اليدوي:
كان يؤمن بأنه "إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل" (2تس1:3). فكان يصنع الحبال من ليف النخيل ويسلّمها إلى بعض البدو الذين يقدمون له بعض الأشياء، ويقوم هو بتوزيعها علي من يطلبها منه.
يسوع المسيح هو طبيبه!
إذ كان مريضًا نصحه أحد الأطباء أن يأكل أطعمة ذات قيمة غذائية عالية، وقام الطبيب بتقديم بعض الأطعمة له. أما فهو فعاد وقدّمها لمرافقي الطبيب وهو يقول له: "المسيح يسوع هو طعامي، المسيح يسوع هو طبيبي، المسيح يسوع هو قوّتي".
مع الحيّات والوحوش المفترسة:
في ديسمبر 1962 م. روي لي (للقمص تادرس يعقوب ملطي) القمص متياس السرياني (حاليًا نيافة الأنبا دوماديوس) القصتين التاليتين:
الأولي ذهب لزيارته أحد الآباء المتوحدين المشهورين وإذ كانا يتحدثان معًا داخل مغارته دخلت حيّة ضخمة، فبدأت عينا المتوحد تتوجه إلى الحيّة. أما هو فقال له: "يا أبتِ أتخاف من الحيّة؟ ألم يقل: "أُعطيتكم سلطانًا أن تدوسوا علي الحيّات والعقارب؟" ثم طلب منها أن تترك المغارة فخرجت.
أما القصة الثانية فحدثت معه شخصيًا، فكما يعرف عنه أنه كثيرًا ما كان لا يأكل إلا الردّة المبلولة". زاره أبونا متياس السرياني فأراد أن يكرّمه جدًا فأتي بعلبة من فوارغ المعلّبات ووضع تحتها بعض الحطب الرفيع وأوقده، ثم وضع في الماء "ملوخية" جافة، ووضع عليها علبة "حلاوة طحنية" وبدأ يحركها بعصا صغيرة. بعد أن غلي الطعام قدّمه لأبينا متياس كأشهى وجبة طعام يمكنده مَلَكان! (هذا ملِك!):
اشتهر أبونا عبد المسيح بالنسك، فكان يودّ أن يكون كل الرهبان والأساقفة متنسّكين. فمن الأمور المعروفة عنه توبيخه للأساقفة غير المتنسّكين.
ذهب يومًا إلى دير البراموس وطلب أن يُرسلوا إليه عند حضور الأسقف، فقال له (الروبيتة): لا يمكن لأنك دائمًا توبّخ الأساقفة قائلًا: "أنت مكسور". فوعده ألا يفعل ذلك.
ذهابه إلى الإسكندرية:
إذ التزم أن يذهب إلى الإسكندرية للعلاج بعد حوالي 23 عامًا، صار يضرب مطانيات إلى الأرض metanoia ويقَّبل أرض المغارة حتى ركب السيارة وهو يقول: "راهب يترك المغارة، عليه طقس يلتزم به".
الاستعداد للرحيل:
عاش أبونا عبد المسيح قرابة خمسين عامًا في الرهبنة، قضي أغلبها كمتوحدٍ في مغارة بجوار دير البراموس. وإذ شعر بقرب رحيله من العالم أراد أن يموت بأورشليم، وكانت العلاقات بين مصر وإسرائيل مقطوعة وعدائية.
أصرّ أن يذهب إلى القدس علي قدميه، فكان من المستحيل تحقيق ذلك لأسباب سياسية. أخيرًا اقتنع بأن يمكث في القاهرة لحين عمل جواز سفر أثيوبي له وأخذ تأشيرة دخول لبنان وسوريا ومن هناك يذهب إلى القدس.
عاش قرابة سنة في حجرة تحت السلم بمبنى الكلية الإكليريكية، ثم جاء إلى الإسكندرية للسفر من الميناء البحري.
أذكر عندما جاء كان يسأل: "أين يوجد الحمار؟" - ليسكن معه - قيل له: "لا توجد حمير بالبطريركية". أخيرًا اقتنع أن يسكن تحت سلم البطريركية.
كان إذا ما قال له أحد: "صلِّ لأجلي لكي يرحمنا الله"، فكان يضربه علي ظهره وهو يقول: "ربنا بيرحمنا، ونحن لا نرحم أنفسنا!"
قُدم له بلح فرفض تمامًا، وطلب "البلح الذي يأكل منه الحمار"، أي الذي لا يُؤكل!
إلى بيت المقدس:
ذهب إلى بيروت حيث قضي حوالي شهرًا ثم توجّه إلى دمشق في ضيافة بطريركية السريان الأرثوذكس. هناك أخذ تصريحًا لدخول الأردن والعبور من جسر الملك إلى الأراضي المقدسة.
عند وصوله مع مرافقيه إلى نقطة الحدود يبدو أن أحد المسئولين عن الأمن من المخابرات الأردنية تشكك في أمره، فطلب تفتيشه ذاتيًا بمفرده، فوجد في ملابسه بعض الكتب. مدّ يده في صدره فوجد كتابًا بالأمهرية ورقه قديم متآكل، فألقاه علي الأرض بطريقة مثيرة. لم يحتمل أبونا أن يٌلقى بالكتاب المقدس علي الأرض فاستجمع قوته وبمنتهى الشدة صفع القائد علي وجهه حتى صرخ.
استدعي القائد الراهب القبطي المرافق لأبينا، وإذ عرف ما حدث صمت لأنه من حق القائد أن يقتلهما فورًا. لكن كم كانت الدهشة حين أصدر الضابط الكبير تعليماته الشفوية إلى رجاله بالموافقة الفورية علي دخول هذا الأب ومرافقيه إلى الأردن دون انتظار.
بعد فترة قصيرة بأورشليم رحل أبونا المحبوب إلى الفردوس.